الشيخ محمد رشيد رضا

11

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذه السورة ( ص 387 ج 7 ) ( وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) أي والذين أعطيناهم علم الكتب المنزلة من قبله كعلماء اليهود والنصارى دون المقلدين منهم يعلمون أن هذا الكتاب منزل عليك من ربك بالحق . وبيان هذا من وجهين ( أحدهما ) أن العالم بالشيء يميز بين ما كان منه وما لم يكن ، فمن ألف كتابا في علم الطب كان الأطباء أعلم الناس بكونه طبيبا ، ومن ألف كتابا في النحو كان النحاة أعلم الناس بكونه نحويا ، كذلك المؤمنون بالوحي العالمون بما أنزل اللّه على أنبيائهم منه يعلمون أن هذا الآن من جنس ذلك الوحي وفي أعلى مراتب الكمال منه وأن أوسع البشر علما لا يستطيع أن يأتي بمثله فكيف يستطيعه رجل أمي لم يأ ولم يكتب قبله شيئا ( 29 : 48 وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) ولذلك قال تعالى في آية أخرى ( 26 : 197 أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ) ( ثانيهما ) أن في الكتب الأخيرة كالتوراة والإنجيل بشارات بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم تكن تخفى على علمائهما في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد بينا بعضها وسيأتي تفصيلها في الجزء التاسع ، وقال تعالى ( 2 : 146 الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وقد اعترف المنصفون من أولئك العلماء بذلك وآمنوا وكتم بعضهم الحق وأنكروه بغيا وحسدا كما بيناه في محله والخطاب في قوله تعالى ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد غيره ، على حد قولهم « إياك أعني واسمعي يا جارة » وقيل لكل مخاطب ، اي فلا تكونن من الشاكين في ذلك . على أن نهي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الشك في كون أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق مونا باخباره به لا يقتضي جواز شكه فيه بعد هذا الاخبار ، فإن كان يشك فيه قبله فلا ضرر * * * ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ) الكلمة تطلق على الجملة والطائفة من القول في معنى واحد أو غرض واحد طال أو قصر ، فإذا ألقى أفراد خطبا أو كتبوا مقالات في موضوع مّا * قيل في كل خطبة وكل مقالة : هذه كلمة فلان ، وروي أن